يا ريت ما كبرنا
يناير 28, 2012 at 12:27 م 2تعليقات
كان طفلاً عندما أراد نيل صداقتي ، في عينيه بحر من الأسئلة التي لا تنضب و انبعاثات طيب و مودة ، فضوله و تساؤلاته البريئة كانت تقتات صبري ، و في لحظات كثيرة كنت أسأل أي ذنب ارتكبته لأبتلى بتلك المصيبة ، يريد مني أن اكتب حكاية عشقه لجارتهم الصغيرة في الحارة ، ليصير فيلماً يمثلا فيه معاً ، و كنت ابتسم فللحب ذكرى تبدأ العزف على أوتار قلبي متى ذكر فيها ، قال هناك مشكلة ، و لم أكن بحاجة لكثير ذكاء لأخمن ما هي ، قلت ليست من جماعتكم أليس كذلك ؟ و أطرق بصمت موافقاً ، كنت يومها لا امتلك وقاحة الحديث الصراح عن الطوائف ، نصحته بأن يبتعد عنها و أن ينساها ، فالعمر أمامه و ما يعيشه مجرد طيش صبا و سيتعرف على أخريات ، و لكنه كان مصراً ألا يختار عنها بديلاً و أن ما بينهما قدر لا يمكن أن ينتهي بهما إلا سويا ، غادرته دون أن ألقي حتى الوداع فأنا لم يكن ينقصني إلا أن أضيع وقتي مع الأطفال .
عامان غبت و لما عدت إليه كان مازال بحر الأسئلة المتلاطمة يسكن عينيه مع شرار غضب مكبوت ، إلا أنه كان صامتاً و قد خف تواتر كلامه يجيب على السؤال بكلمة أو كلمتين ، أيقنت أن الصبي قد كبر ، سألته عنها ربما لأتحقق من نبوءتي ، جوابه صعقني لأنه كان خارج دائرة احتمالاتي ، ربما بقي معها فعامان ليست مدة طويلة لينسى أي منا الحب فكيف إن كان الحب الأول ، أو ربما تركها مع كامل المودة و هذا احتمال مرجح ، أما جوابه فكان : أن حبها كان عاراً و حراماً و أنه أبدلها بفتاة من عندهم محترمة !
كبر صديقي إذن و صار في الثانوية ، تعرف على شباب جدد ، تعلم التدخين خلف مراحيض المدرسة ، أخذه أبوه إلى الشيخ ليتعلم فن الطائفة و كيف يزدري الآخرين ، قست ملامح وجهه و بانت فيها تضاريس الشباب ، شيء آخر قسى قلبه الذي ما عاد ينبض إلا حقداً ، يقول أنه أحب فتاة أخرى و عليه أن يحب جارهم اللص و جارتهم النقاقة فقط لأنهم من نفس الجماعة ، و أن يكره كل الآخرين الشركاء في القرية و المدينة و الوطن لأن الطائفة قالت كذلك ، و أن عليك أن تخفي الخنجر خلف ظهرك و أنت تصافح جارك الذي عشت معه سنين عددا لأنهم علموك أنه صار العدو و لست تعرف متى يطعنك ، هكذا هي متطلبات المرحلة .
كبر صديقي و كبرنا كلنا و يا ريت ما كبرنا ، فقد كبرت فينا طوائفنا و مذاهبنا و عشائرنا ، قلبنا صار كوكتيل كراهية و حقد و عنف و قتل ، دمنا مجرد ماء مبتذل ، فمنا أقذر من باب بدننا ، و ماذا بعد ؟ أما بعد فعندما ندخل الوطن من باب طوائفنا لا يجد له مناصاً سوى أن يفر من النافذة !
Entry filed under: من دفاتر الغياب. Tags: يا ريت ما كبرنا, المذاهب, الوطن, الثرثرة, الجرح, الحب, الحرب, الخنجر, الدم, الصبا, الطفولة, الطائفة, العشائر, سوريا.







1.
Qunkar Fida | يناير 28, 2012 عند 1:09 م
في فرق بين كتاب العصر ونوار ، لان كتاب العصر ما اشطرهم وهم يدوشونا بكلمات والفاظ غريبة حلوة بس ما بتحمل معنى، لكن كتابتك يا نوار بالصميم .. المحبة وحدة ما بتتجزأ ولا بتنحصر في شخص او طائفة ، واذا انا حصرت المحبة بناس معينة او مجموعة معينة فانا كذابة بيجي يوم وبطعن لان الطعن والكره بدمي والكراهية والحقد متل الرصاصة ما بتفرق مسيحي عن مسلم او اي طائفة اخرى
2.
blue | يناير 28, 2012 عند 9:50 م
كيف لازم نكبر صح.. هون السؤال ..
لانه ما بنقدر نظل صغار ..
ويا ريتهم يسمعوا ويفهموا