سوريانا ( صخرة الله )
نوفمبر 6, 2011 at 10:45 م 2تعليقات
في قرية على سفح نسي أهلها اسمها و أغفل الراوي ذكره ، لطف الله بها فأخرج من صخرها نبعاً يروي أهلها و ماشيتها ، و لم يكن يفيض عن الحاجة بل بما يسد الرمق و يروي عطش الناس ، إلى أن قرر البعض أن يزيد من حصته في الماء ليبني مسابح له و لخاصته ، و ضج الجمع و قد بلغ الظمأ فيهم مبلغه ، و خرجوا يريدون حصتهم من الماء ، حتى هنا كان كل شيء يسير ضمن سياقه الطبيعي و ضمن حركة التاريخ .
اجتمع الأهالي في الساحة العامة ليناقشوا مصير النبع ، البعض طلب أن يتم اقتسام الماء بالتساوي و أن يأخذ كل فرد حصته دون زيادة أو نقصان ، كانت فكرة جميلة لاقت ارتياحاً و قبولاً عاماً و كاد كل شيء يعود إلى مكانه ، فكرة تسللت بخبث ، من قال أن المشكلة تكمن في اقتسام ماء النبع ، المشكلة تكمن في الصخرة التي يطلع منها لابد أنها تحجز الماء خلفها لكي لا تتطور القرية ، اقتنع البعض بالفكرة فيما لم تعجب البعض الآخر ، قرر البعض أن يهد الصخرة فيما وقف آخرون دونها وقع عراك بالأيدي و انقسم الجمع و أقاموا متاريسهم و خنادقهم ، و نجح البعض في الوصول إلى الصخرة و انهال بمطارقها عليها ، سقط جزء منها على رؤوس المهاجمين ، خف ماء النبع و صار بلون الوحل و الدم ، لم يعد أحد يستحم و فاحت رائحة عفنة من أجساد الأهالي الذين لم يعرف الماء طريقه إليهم .
كثيرة هي الحكايات التي تتحدث عن الصخرة و قد امتلأت بها أمهات الكتب ، و كثير من المثقفين و المتنورين و العارفين يتحدثون عنها ، و لكننا لن نلجأ إلى هؤلاء بل إلى من يتقن لغة التراب حيث ظل منه قريباً ، و ابن الأرض مهما بلغ جهله أصدق من أهل الكتاب ، فكيف إن كان حكيماً يصادق الأرض و يعرف الكتاب ، هي حكمة الكهول بعيداً عن مراهقة الشباب و قد اجتمعنا إليه ليفتي بنا فيما اختلفنا فيه ، و ليقص علينا من معين حكمته الحكاية .
تتنوع الحكايات يا أبنائي و العاقل من اتعظ بغيره ، و بالعربي الدارج ما متت ما شفت مين مات ، قرية مثل قريتنا و فيها كذا مليون استوطنت ظل الجبل ، أهلها غاية في الطيبة و البساطة ، و كان الغيم يأتيها كل عام و ينزل المطر ، و لأن دوام الحال من المحال ، فسدت بطانة الناس و قلت المودة بينهم ، و أتى عام كامل و لم يأت غيم و ما هلت بشائر السماء ، و عم القحط سائر الأحياء و الأزقة ، و أقسم البعض أنهم شاهدوا جرذاناً تسرق من المونة و المنازل ، طول عمرها الجرذان تسرق و لكن كان الخير عميماً فلم يكن أحد يلاحظ ، حار الأهالي في السبب الذي جعل بلدتهم تصاب بهذا الوباء ، اتهموا الجبل العالي بأنه المشكلة لأنه يحتجز الغيم خلفه ، و لأنه المكان الذي تأتي منه الجرذان ففيه عشهم ، و انصرفوا إلى الجبل يهدونه ، في الحقيقة لا شيء يقهر إرادة الإنسان ، و عندما تتكاتف الإرادات تتحقق المعجزة ، و فعلاً استطاعوا تحطيم الجبل فانهار و لم يبق له أثر ، و صرخ المتجمهرون حول الشيخ : الله أكبر !
ابتسم الشيخ من حماسة الشباب و أردف : ألا تريدون أن تعرفوا ما حل بالقرية بعد انهيار الجبل ، أو أن هذا لا يعنيكم ، قبل ان أكمل بقية الحكاية لا بد أن تعرفوا قصة الجبل ، فعلاً كان يحجز الغيم حتى يثقل ثم ينزل المطر فتفيض الينابيع و بعد اليوم يمر الغيم دون أن ينزل قطرة ، كان الجبل ملجأ الجرذان الذين لم يعد لهم ملجأ فعاثوا في أرض القرية فساداً خرجوا من كهوفهم ليملؤوا الشوارع و يقتاتوا من لحم الناس ، كان الجبل سداً في وجه العواصف و لم يعد من سد في وجهها فأحالت وجه القرية قاعاً صفصفا ، بوسعكم أن تتجهوا الآن إلى الصخرة فتهدوها و لكن أعلموا أن أجدادنا بنوا هذه الصخرة بدل الجبل الذي ذهب لتقف في وجه كل غازي هي إرادة الناس الخيرين و يد الله كانت معهم ، و اسم قريتنا على اسمها : سوريانا أو صخرة الله و إن وضع الله يده في أمر لا يزول ، على اسمه بنيت و بجلال اسمه ستبقى أبد الدهر .
Entry filed under: من دفاتر الغياب. Tags: الفساد, الله, الله أكبر, المحبة, المطر, النبع, الإنسان, الإرادة, التنوير, الجبل, الحكمة, العلم, العواصف, الغيم, سوريا, سوريانا, صخرة الله.







1.
بنفسجة | نوفمبر 7, 2011 عند 4:00 م
ذكرتني تدوينتك هذه باحدهم اعتبر ان نيل الحرية يكون باقتلاع تمثال من حجر…. ودأب بكل قوته على تحطيم هذا التمثال… حين كبر لله فرحا لبداية سقوط التمثال…. سقط عليه وسحق راسه… وقدميه….
2.
نهر | مارس 14, 2012 عند 12:09 ص
“كان يحجز الغيم حتى يثقل ثم ينزل المطر فتفيض الينابيع و بعد اليوم يمر الغيم دون أن ينزل قطرة ، كان الجبل ملجأ الجرذان الذين لم يعد لهم ملجأ فعاثوا في أرض القرية فساداً خرجوا من كهوفهم ليملؤوا الشوارع و يقتاتوا من لحم الناس ، كان الجبل سداً في وجه العواصف و لم يعد من سد في وجهها فأحالت وجه القرية قاعاً صفصفا”
جميلة جدا